الشيخ محمد الصادقي

321

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

لها عن ضلالها « 1 » ، بل « وذلك تأويلها الأعظم » « 2 » ، فإن بإمكان نفس ضالة أن تضل الناس جميعاً ، وحُصالة ذلك التنظير المنقطع النظير أن الإنسانية هي كنفس واحدة ، وكما خلقت من نفس واحدة ، و « ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ » فلتكن نفس واحدة مؤمنة محترمة كما الناس جميعاً ، وعلى حد قول الرسول صلى الله عليه وآله : « المؤمن وحده جماعة » وقد يعني « قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً » فيما يعنيه أن لو سمح في قتل النفس بسخاء ودون حدود لكان القاتل يسمح لنفسه قتل الناس جميعاً « 3 » وقد يتأيد ب « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ » « 4 » حيث القصاص سياج صارم عن الإباحية في قتل الناس ، وضمان على حياتهم . وهذه الحرمة الجماعية لكل نفس محترمة تتساقط إلى عكسها إذا كانت قاتلة بغير حق متعمداً نفساً محترمة أخرى ، أم كانت مفسدة في الأرض على حدودها المقررة في آية الإفساد التالية ، فليس - إذاً - أي إفساد مما يهدر حرمة نفس المفسد فإنه فوضى جزاف ، وإفساد جماهيري بحق الناس ، إذ لا يخلو إنسان من أي إفساد إلَّا من شذ ! . قتل نفس بغير حق هو كقتل الناس جميعاً ، وإحياءها بحق كإحياء الناس جميعاً ، فمن عفى عن قاتل ولم يكن في عفوه تشجيع ، فقد أحياه فأحيى الناس جميعاً ، ومن عفى عن قتَّال مشجِّعاً إياه لقتله فكأنما قتل الناس جميعاً ، فإن « فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » ، ففي تركه ممات ، وقد يعفى عن قاتل نجَّى بريئاً عن القتل وتخرج دية المذبوح من بيت المال تهاتراً بين الدمين وانتقالًا إلى دية . « 5 »

--> ( 1 ) ) الوسائل 19 : 6 عن محمد بن سنان فيما كتب إليه الرضا عليه السلام من جواب مسائله : حرّم اللَّه قتل النفس‌لعلة فساد الخلق في تحليله لو أحل وفنائهم وفساد التدبير ( 2 ) نور الثقلين 1 : 619 عن فضيل بن يسار قال قلت لأبي جعفر عليه السلام قول اللَّه عز وجل في كتابه « وَمَنْ أَحْياها . . . » قال : من حرق أو غرق ، قلت : فمن أخرجها من ضلال إلى هدى ؟ قال ذاك تأويلها الأعظم ( 3 ) ) نور الثقلين 1 : 619 الكافي بسند متصل عن سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قلت له : قول اللَّه عز وجل « مَنْ قَتَلَ نَفْساً . . . » قال : من أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنما أحيا الناس ومن أخرجها من هدىً إلى ضلال فقد قتلها ( 4 ) ) 2 : 179 ( 5 ) نور الثقلين 1 : 620 في الكافي علي بن إبراهيم عن أبيه قال أخبرني بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبداللَّه عليه السلام قال أتي أمير المؤمنين برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم وإذا رجل مذبوح يتشحط في دمه فقال له أمير المؤمنين ما تقول : قال : أنا قتلته ، قال : إذهبوا به فأقيدوه به ، فلما ذهبوا به ليقتلوه به أقبل رجل مسرع فقال : لا تعجلوه وردوه إلى أمير المؤمنين عليه السلام فردوه فقال : واللَّه يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه أنا قتلته ، فقال أمير المؤمنين للأول : ما حملك على إقرارك على نفسك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين وما كنت أستطيع أن أقول وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال فأخذوني وبيدي سكين ملطخة بالدم والرجل يتشحط في دمه وأنا قائم عليه وخفت الضرب فأقررت وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل يتشحط في دمه فقمت معجباً فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني فقال أمير المؤمنين عليه السلام خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن عليه السلام وقولوا له : ما الحكم فيها فذهبوا إلى الحسن عليه السلام وقصوا عليه قصتهما فقال الحسن عليه السلام قولوا لأمير المؤمنين عليه السلام ان هذا إن كان ذبح ذاك فقد أحي هذا وقد قال اللَّه عز وجل : « وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » يخلى عنهما وتخرج دية المذبوح من بيت المال . أقول : وهذه استفادة لطيفة من الآية ولكن ينبغي عليها سؤال ، كيف يبطل حق القصاص هنا لأولياء المقتول وهو حق شخصي ، فإن لم تكن له أولياء فلمن الدية الموءداة من بيت المال ؟ علّ الإمام عليه السلام تطلب من أولياء الدم أن يعفوا عن قصاص القاتل لمصلحة جماعية استفادها من الآية ولأن قتله نفساً واحياءه نفساً آخر شخصياً وفي البعد الاجتماعي يتهاتران فلتدفع الدية إلى بيت المال